السيد الطباطبائي
190
تفسير الميزان
آخر : " وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير " الأنبياء : 79 يؤيد تعلق الظرف بسخرنا ، وقد وقع في موضع آخر من كلامه تعالى : " يا جبال أوبي معه والطير " سبأ : 10 . والعشي والاشراق الرواح والصباح . وقوله : " انا سخرنا " الخ " ان " فيه للتعليل والآية وما عطف عليها من الآيات بيان لكونه عليه السلام ذا أيد في تسبيحه وملكه وعلمه وكونه أوابا إلى ربه . قوله تعالى : " والطير محشورة كل له أواب " المحشورة من الحشر بمعنى الجمع بإزعاج أي وسخرنا معه الطير مجموعة له تسبح معه . وقوله : " كل له أواب " استئناف يقرر ما تقدمه من تسبيح الجبال والطير أي كل من الجبال والطير أواب أي كثير الرجوع إلينا بالتسبيح فإن التسبيح من مصاديق الرجوع إليه تعالى . ويحتمل رجوع ضمير " له " إلى داود على بعد . ولم يكن تأييد داود عليه السلام في أصل جعله تعالى للجبال والطير تسبيحا فإن كل شئ مسبح لله سبحانه قال تعالى : " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " أسرى : 44 بل في موافقة تسبيحها لتسبيحه وقرع تسبيحها أسماع الناس وقد تقدم كلام في معنى تسبيح الأشياء لله سبحانه في تفسير قوله تعالى : " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " الآية وأنه بلسان القال دون لسان الحال . قوله تعالى : " وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب " قال الراغب : الشد العقد القوي يقال : شددت الشئ قويت عقده . انتهى فشد الملك من الاستعارة بالكناية والمراد به تقوية الملك وتحكيم أساسه بالهيبة والجنود والخزائن وحسن التدبير وسائر ما يتقوى به الملك . والحكمة في الأصل بناء نوع من الحكم والمراد بها المعارف الحقة المتقنة التي تنفع الانسان وتكمله ، وقيل : المراد النبوة ، وقيل الزبور وعلم الشرائع ، وقيل غير ذلك وهي وجوه ردية . وفصل الخطاب تفكيك الكلام الحاصل من مخاطبة واحد لغيره وتمييز حقه من باطله وينطبق على القضاء بين المتخاصمين في خصامهم .